Home رأيأهمية التوريد الدائري في ظل توجه شركات التموين نحو تعزيز الاستدامة

أهمية التوريد الدائري في ظل توجه شركات التموين نحو تعزيز الاستدامة

by saleh

مع تسارع خطى قطاعي الضيافة والخدمات الغذائية في الشرق الأوسط نحو تحقيق الحياد الكربوني وتحويل مفاهيم الاقتصاد الدائري إلى واقع ملموس، تبرز أهمية المشتريات كأداة استراتيجية في بناء مكانة الفنادق وشركات التموين والمطاعم وتعزيز صورتها في ملف الاستدامة. فلم تعد قرارات الشراء تقتصر على السعر والجودة فحسب، بل باتت تستند إلى معايير أوسع تشمل البصمة البيئية، وشفافية سلاسل التوريد، ومدى المواءمة مع الاستراتيجيات الوطنية في مجال الاستدامة.

وفي منطقة الشرق الأوسط، تضع سياسة دولة الإمارات العربية المتحدة للاقتصاد الدائري 2021-2031 ورؤية المملكة العربية السعودية 2030 معايير محددة وملموسة لتقليل الهدر ورفع كفاءة استغلال الموارد، إلى جانب تعزيز شفافية سلاسل التوريد. وفيما يخص قطاعي الضيافة والخدمات الغذائية، ستُترجم هذه السياسات في المستقبل القريب إلى شروط إلزامية في العقود، ومعايير محددة لقياس الاستدامة والأداء البيئي، ومقاييس أساسية لتقييم السمعة التجارية، مما ينعكس مباشرةً على علاقات الأعمال بين الشركات ويعزز في الوقت ذاته ثقة المستهلكين.

وبصورة عامة، يُعدّ الاقتصاد الدائري نموذجًا اقتصاديًا يستهدف الحد من الهدر وتعزيز كفاءة الموارد، من خلال إبقاء المنتجات والمواد ضمن دورة الاستخدام لأطول فترة ممكنة. فبخلاف نموذج الاقتصاد التقليدي القائم على معادلة (استخراج–تصنيع–تخلص)، يركز الاقتصاد الدائري على تبنّي نماذج أعمال تُقلل الهدر بدءًا مرحلة التصميم، وتضمن استمرار تداول المنتجات والمواد عبر إعادة الاستخدام، والإصلاح، والتجديد، وإعادة التصنيع، وصولًا إلى إعادة التدوير واستعادة حيوية الأنظمة البيئية. وبذلك، فإن الهدف هو بناء منظومة إنتاجية متكاملة تضمن استمرارية تدفق الموارد وإعادة تدويرها داخل عمليات الإنتاج بدلًا من التخلص منها، مما يحدّ من الأثر البيئي ويحافظ على استدامة القيمة الاقتصادية في الوقت ذاته.

واتساقًا مع ما سبق، أصبح فهم الترابط بين المواد الأولية وأنظمة الاقتصاد الدائري ضرورة استراتيجية ملحّة. وهنا تجدر الإشارة إلى زيت النخيل الماليزي كمثال رائد على قدرة سلاسل توريد السلع على تبنّي مفاهيم النهج الدائري بما يمكّن الشركات في المنطقة من تسريع تحقيق أهدافها في مجال الاستدامة.

وفي مختلف أنحاء ماليزيا، تطوّرت مصانع زيت النخيل إلى منظومات بيئية تعتمد على ذاتها، حيث تُستثمر المخلفات العضوية للنخيل — مثل العناقيد الفارغة والقشور والألياف — من خلال حرقها لإنتاج بخار يُستخدم لتوليد طاقة متجددة تكفي لتشغيل كافة مراحل العملية الإنتاجية. وغالبًا، يُصدَّر فائض الكهرباء إلى شبكات الطاقة الوطنية، مما يوفر للمصانع عائدًا ماليًا إضافيًا. ورغم أن هذا التراجع في الانبعاثات يتحقق في مراحل الإنتاج الأولية قبل دخول المنتج (مثل زيت النخيل) ضمن سلاسل توريد الفنادق والمطاعم، فإنه يساهم في خفض الانبعاثات المصنفة تحت (النطاق 3) في تقارير الاستدامة الخاصة بها.

كما تعمل هذه المصانع بشكل متزايد على إعادة تدوير العناصر الغذائية من خلال معالجة المخلفات الناتجة عن عصر الزيت وتحويلها إلى أسمدة عضوية طبيعية، مما يحد من استخدام الأسمدة الكيميائية ويساعد على تعزيز صحة التربة واستعادة خصوبتها. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تُستغل المنتجات الثانوية الأخرى في صناعات حيوية؛ إذ يتحول لب النخيل إلى أعلاف حيوانية، وتُستخدم قشور النواة في تصنيع فلاتر كربونية لتنقية المياه، بينما يُستفاد من الزيوت الأقل جودة في إنتاج الوقود الحيوي. وتعكس كل خطوة من هذه الخطوات جوهر الاقتصاد الدائري، الذي يركز على الحد من الهدر وتقليص النفايات، بالتوازي مع دعم تجدد النظم البيئية والحفاظ على توازنها.

وفي ظل اعتماد قطاع خدمات توريد الطعام في منطقة الخليج على زيت النخيل كعنصر أساسي في الطهي والمخبوزات والعديد من المنتجات الغذائية، فإن اختيار زيوت نباتية من مصادر موثوقة تتبنى ممارسات الاقتصاد الدائري، يساهم بشكل مباشر في تمكين الشركات من الالتزام باللوائح التنظيمية، ويعزز مكانة علاماتها التجارية. والجدير بالذكر أنّ نظام التصديق الوطني لإنتاج زيت النخيل المستدام في ماليزيا (MSPO) قد نال اعترافًا عالميًا واسعًا؛ إذ يغطي اليوم ما يقارب 91% من إجمالي المساحات المخصصة لإنتاج زيت النخيل في البلاد. يمنح هذا الالتزام المشترين والمستهلكين حول العالم طمأنينة بأن منتجات زيت النخيل المستوردة من ماليزيا ليست مستدامة فحسب، بل تُنتج أيضًا وفقًا لأعلى معايير المسؤولية البيئية والاجتماعية.

وفي ضوء ذلك، تمثل النسخة المحدثة من معيار شهادة زيت النخيل الماليزي المستدام (MSPO 2.0)، والتي دخلت حيز التطبيق  في يناير 2025، الركيزة الأساسية لمنظومة الشهادات المعتمدة؛ إذ تضع معايير عالمية جديدة للاستدامة في القطاع الزراعي. يلتزم هذا المعيار بمنع إزالة الغابات بنسبة 100% لأغراض زراعة نخيل الزيت بعد تاريخ 31 ديسمبر 2019، كما يفرض نظامًا دقيقًا لرصد الانبعاثات الكربونية، وتطبيق تدابير صارمة لحقوق العمال، مع ضمان شفافية تامة في كافة مراحل سلاسل الإمداد. علاوةً على ذلك، يدمج هذا المعيار ركائز الاقتصاد الدائري مثل استغلال المخلفات، وإمكانية تتبع مصادر الموارد وتجديدها، مما يوفر لفرق المشتريات بيانات موثّقة تدعم التحقق من الممارسات المستدامة. أما بالنسبة لمشغّلي قطاع الضيافة في منطقة الخليج الساعين إلى تعزيز مسؤوليتهم البيئية، فإن هذا الإطار يمنحهم الثقة اللازمة لاتخاذ قرارات توريد مدروسة.

فضلًا عن ذلك، لا يقتصر النهج الدائري على حدود المصانع، بل يمتد ليصل إلى قلب مطابخ قطاع الضيافة في الشرق الأوسط، حيث يسعى المشغّلون إلى ابتكار حلول عملية لإعادة تدوير الموارد. ويبرز تدوير زيوت الطهي المستعملة كنموذج رائد في هذا المجال؛ إذ تعاونت وزارة الطاقة والبنية التحتية في دولة الإمارات مع شركة «لوتاه للوقود الحيوي» لإطلاق مبادرة لجمع هذه الزيوت في حاويات مخصصة وتحويلها إلى وقود حيوي، مما يساهم في دعم الجهود الوطنية الرامية إلى تسريع الانتقال نحو مصادر الطاقة المتجددة والنظيفة وتحقيق أهداف الحياد الكربوني.

ومن جهة أخرى، قدّمت مجموعة لولو نموذجًا مُلهِمًا من خلال اعتمادها على الديزل الحيوي المستخلص من زيوت الطهي المُعاد تدويرها لتزويد أسطول النقل الخاص بها بالوقود، مما يعكس شمولية النهج الدائري من مرحلة الشراء وصولًا إلى العمليات اللوجستية. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ تتسارع وتيرة المبادرات المشابهة في السعودية عبر مشاريع طموحة تقودها Biofuel.sa، إلى جانب شراكات استراتيجية بين أرامكو وتوتال إنيرجي والشركة السعودية الاستثمارية لإعادة التدوير (سرك)، والتي تهدف إلى تحويل بقايا الطهي إلى وقود حيوي ووقود مستدام للطائرات. إن هذه المشاريع تجعل من مفهوم الدائرية واقعًا عمليًا ملموسًا وقابلًا للتطبيق في قطاع الأغذية بالمنطقة، وتُظهر كيف يمكن للنفايات أن تتحول إلى موارد متجددة بدلًا من كونها عبئًا تشغيليًا إضافيًا. ويبدأ تحويل هذا الوعي إلى ممارسة فعلية بطرح الأسئلة الصحيحة؛ لذا أنصح مسؤولي المشتريات بالنظر في مجموعة النقاط التالية:

  • التفاعل مع الموردين: استفسر عن استراتيجياتهم في إدارة المخلفات الحيوية، واستخدام الطاقة المتجددة، ومدى دقة أنظمة التتبع المطبقة لديهم.
  • مراجعة عمليات الإنتاج: قيّم الشهادات المعتمدة، وقدرات تحويل النفايات إلى طاقة، ومعايير تبنّي الاقتصاد الدائري، بالتوازي مع المواصفات الفنية للمنتج.
  • انظر إلى ما هو أبعد من السعر والتكلفة المادية: وازن بين السعر وبين عوامل أخرى حاسمة؛ مثل حماية سمعة المؤسسة، والالتزام بالقوانين التنظيمية، وتعزيز مكانة علامتك التجارية في السوق.
  • تطوير برامج للزيوت المستعملة: عقد شراكات مع شركات معالجة زيوت معتمدة، وتوثيق جميع هذه المساهمات ضمن تقارير الاستدامة.
  • توعية فريقك: احرص على أن يفهم الطهاة ومديرو المنشآت وفرق الاستدامة الأسباب الاستراتيجية التي تُبنى عليها خيارات الشراء وقرارات التوريد.

وهنا لابد لي أن أشير إلى أن رؤى الاستدامة الطموحة في منطقتنا تتطلب منا الانتقال من الالتزامات النظرية إلى اتخاذ قرارات عملية وملموسة في سلاسل التوريد. لذا فإن تبني نهج الاقتصاد الدائري ليس مجرد مسؤولية بيئية فحسب، بل هو ركيزة أساسية في التخطيط الاستراتيجي؛ إذ إن خيارات الشراء التي نتخذها اليوم هي التي سترسم ملامح أداء الاستدامة ومستوى الجاهزية التنظيمية لعمليات قطاع الضيافة في المستقبل.

وختامًا، يوفّر اعتماد زيت النخيل الماليزي ضمن سياسات المشتريات فرصةً عملية لتحويل القوة الشرائية إلى تأثير ملموس يدعم مبادئ الاقتصاد الدائري بصورة مباشرة.

بقلم بلفيندير سرون، الرئيسة التنفيذية لمجلس زيت النخيل الماليزي

 

 

You may also like