تحتاج الشركات التي تعمل في بيئات عالية المخاطر إلى تقبّل مستوى أساسي من عدم اليقين. وسواء كانت العمليات تُجرى في بيئات جيوسياسية متقلبة، أو في مناط تشهد اضطرابات مدنية مستمرة، أو في مواقع تتعرض لنشاط إرهابي دوري أو متكرر، فإن أي تصعيد يفرض تحديات فورية. وغالبًا ما يكون نقص المعلومات في الساعات الأولى من أي حادثة سرعان ما يطغى عليه سيل من الشائعات والروايات المضللة التي تحجب الحقائق. وبالنسبة للشركات، يتمثل أحد أبرز التحديات في التمييز بين المعلومات الموثوقة والضوضاء المحيطة، والتي قد تؤدي إلى تعطّل العمليات وتهديد سلامة الموظفين.
يتطلّب التعامل مع تهديد المعلومات المضللة فهم الديناميكيات التي تقف وراءها، لا سيما في البيئات سريعة التغيّر أو أثناء حالات التصعيد. فبمجرد وقوع حدث جيوسياسي أو تصعيد ما، ينشأ فراغ معلوماتي يتم ملؤه بالشائعات والمعلومات غير الدقيقة، سواء بشكل غير مقصود (معلومات مضللة) أو بشكل متعمّد (تضليل إعلامي) لدعم سردية معينة. وتنتشر هذه الشائعات على سبيل المثال عبر وسائل التواصل الاجتماعي بسرعة، لأن ناشريها لا يحتاجون إلى التحقق من صحة المعلومات قبل تداولها؛ وغالبًا ما تتسم بطابع مثير للقلق وتستخدم لغة عاجلة تستفز ردود فعل عاطفية. في المقابل، يجب أن تستند المعلومات الموثوقة إلى مصادر يعتمد عليها، وأن تجمع بين تحديثات من القنوات الحكومية، ومتتبعات حركة الطيران، ومصادر المعلومات الاستخباراتية، والمؤسسات الإخبارية المعتمدة.
حتى مع وجود آلية تحقق قوية، سيبقى قدر من عدم اليقين قائمًا، لا سيما في البيئات عالية المخاطر حيث تكون الاستجابة الفورية أكثر أهمية مقارنةً بالبيئات منخفضة المخاطر. ولا يمكن للشركات التنبؤ بكل تغيّر إقليمي أو تصعيد محتمل، لكنها تستطيع اعتماد إجراءات داخلية تمكّنها من الانتقال من ردود الفعل إلى نهج استباقي.
يجب على الشركات وضع خط أساس تحليلي يعتمد على مصادر مُعتمدة مسبقًا، بهدف التحقق من المعلومات الواردة تحت جهة مرجعية واحدة محددة. ويشمل ذلك استخدام أدوات استخبارات المصادر المفتوحة، مع إشراف بشري، ليس فقط للتحقق من المعلومات بل أيضًا لتصفية البيانات وتمييز ما هو موثوق منها. وعندها فقط يمكن للإدارة التعامل بفعالية مع حالة عدم اليقين في البيئات عالية المخاطر أو سريعة التغير. وتشمل مصادر المعلومات الموثوقة القنوات الدبلوماسية والحكومية، وهيئات الطيران والملاحة البحرية، وخدمات الدفاع المدني، ووسائل الإعلام المعتمدة، أو منصات استخبارات التهديدات. أما مصادر المعلومات المضللة، فتشمل منشورات وسائل التواصل الاجتماعي التي تستخدم لقطات قديمة على أنها أحداث حالية بشكل يبدو موثوقًا، أو الأخبار المثيرة للقلق حول نقص وشيك، أو الوثائق الرسمية المفبركة، إضافة إلى تقنيات التزييف العميق (Deepfakes).
يتطلّب تصفية المعلومات قدرًا عاليًا من الانضباط. إذ يجب إخضاع كل معلومة لاختبار دقيق لتحديد مصدرها الحقيقي، وفهم دوافعه، والتحقق من البيانات بشكل مستقل. لكن الحصول على المعلومات الصحيحة ليس سوى نصف الطريق؛ إذ يتعيّن على القيادات أيضًا اتخاذ قرارات مبنية عليها دون السماح للعاطفة أو الافتراضات بالتحكّم. وتُعدّ الطريقة الأكثر فاعلية لإدارة هذا النوع من عدم اليقين هي الاعتماد على مؤشرات قابلة للقياس تم تحديدها مسبقًا قبل وقوع الحادث. فعلى سبيل المثال، عند انتشار منشور واسع يدّعي تعرّض أحد المطارات لهجوم، لا ينبغي للمؤسسة أن تتصرف بشكل عشوائي. بل يجب تحويل التركيز إلى مؤشرات ملموسة، مثل صدور إشعار NOTAM (إشعار مهام الطيران) من هيئة الطيران المدني يؤكد إغلاق المجال الجوي، أو حدوث تغيير رسمي في إرشادات السفر الصادرة عن السفارات. وفي بيئات متقلبة مثل بيروت، يمكن لانفجارات تقع في الضواحي الجنوبية أن تؤدي بسهولة إلى تداول معلومات غير دقيقة حول تعطّل العمليات في مطار لبنان الواقع في جنوب بيروت.
ربط الاستجابة التشغيلية بمؤشرات قابلة للقياس ومحددة مسبقًا يساهم في نقل المؤسسة من حالة التفاعل مع المجهول إلى تنفيذ خطة مدروسة وممنهجة. فعلى سبيل المثال، في حالة الانفجار في بيروت، بدلًا من الذعر أو اتخاذ إجراءات بناءً على معلومات غير مؤكدة أو قد تكون خاطئة، يمكن الاعتماد على مؤشرات تشغيلية أخرى من بينها إشارات الطيران (مثل إعلانات شركات الطيران)، أو القنوات الحكومية (مثل تحديثات التحذيرات الصادرة عن US OSAC أوUK FCDO). إن ربط الإجراءات مسبقًا بهذه المؤشرات يمكّن من اتخاذ قرارات في الوقت المناسب، ويساعد في تحديد ما إذا كان ينبغي التحرك أو البقاء في الموقع، خصوصًا في البيئات سريعة التغير. وعندما لا يتم استيفاء عتبات الإخلاء البري، أو تشير البيانات إلى أن التحرك في تلك اللحظة هو الخيار الأكثر خطورة، يمكن لفريق إدارة الأزمات بناءً على هذه المؤشرات القابلة للقياس اتخاذ قرار سريع بعدم السماح بالإخلاء، والانتقال بدلًا من ذلك إلى وضع “الاحتماء في المكان(Shelter-in-Place)”، مع الاستمرار في مراقبة الوضع بشكل مستمر.
لتجنّب اتخاذ الموظفين قرارات فردية غير آمنة بدافع الخوف، يجب على المؤسسة أن ترسّخ نفسها كمصدر موثوق للمعلومات. ويكتسب هذا الأمرأهمية خاصة في البيئات عالية المخاطر أو سريعة التغير. إن التواصل المبكر، واعتماد وتيرة منتظمة للتحديثات حتى لو كان ذلك من خلال رسالة داخلية بسيطة مثل: “نحن نراقب الوضع؛ لا يوجد حاليًا أي تغيير في الوضع الأمني، وسنقوم بتحديثكم خلال الساعات القادمة” يساهم في توفير قدر كبير من الاستقرار والطمأنينة.
يمكن للشركات التحقق من المعلومات، وإدارة حالة عدم اليقين، وحماية موظفيها عند العمل في بيئات عالية المخاطر أو سريعة التغير من خلال إنشاء إطار عمل يتيح تصفية المعلومات وتحديد أولوياتها مع وجود إشراف بشري، وربط ذلك بمؤشرات مسبقة محددة لتجنّب اتخاذ القرارات بناءً على افتراضات خاطئة أو ردود فعل عاطفية.