تواجه أنظمة الرعاية الصحية في منطقة الهند والشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا ضغوطاً متزايدة مع تصاعد معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة وتسارع وتيرة النمو السكاني وازدياد التحديات المرتبطة بالمناخ. وفي الوقت نفسه، شهد مفهوم الاستدامة تطوراً في جوهره ومضمونه، متجاوزاً مجرد الالتزامات البيئية، ليصل إلى ضمان الوصول العادل إلى الرعاية الصحية، وتعزيز مرونة النظم الصحية، وتحقيق بصمة إيجابية مجتمعية مستدامة على المدى الطويل.
وفي ضوء هذه المعطيات، برزت جهود “بوهرنجر إنجلهايم” المعنية بالاستجابة لهذه التحديات بكفاءة، عبر تبني الشركة لإطار عمل “تنمية مستدامة – لأجيال قادمة”، الذي يجمع بين الصحة والابتكار والمسؤولية البيئية ضمن رؤية موحدة طويلة الأجل.
وفي هذا الحوار، تستعرض هالي أسيكوغلو-إركول، رئيس التنمية المستدامة للأجيال في منطقة الهند والشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا، جهود الشركة لترجمة طموحاتها العالمية في مجال الاستدامة إلى خطوات عملية وملموسة على المستوى المحلي في واحدة من أكثر مناطق العالم تنوعاً.
- كيف تعمل “بوهرنجر إنجلهايم” على تطبيق إطار عمل “تنمية مستدامة لأجيال قادمة” على أرض الواقع في منطقة الهند والشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا، وما أبرز ما تحقق حتى الآن؟
نشهد اليوم تحولاً مهماً في النظرة إلى الاستدامة، مع تنامي الوعي بأنها مفهوم أشمل يتجاوز الأداء البيئي. ويجسّد إطار عمل “تنمية مستدامة لأجيال قادمة” لدى شركة “بوهرنجر إنجلهايم” هذه الرؤية المتكاملة، من خلال التركيز على تحقيق قيمة مستدامة للمرضى والمجتمعات وأنظمة الرعاية الصحية على المدى الطويل.
لذلك، تستند استراتيجيتنا في منطقة الهند والشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا إلى ثلاث ركائز وهي: “صحة أفضل”، و”إمكانات أفضل”، و”بيئة أفضل”، حيث توجّه هذه الركائز جهودنا الرامية إلى توسيع نطاق الوصول إلى الرعاية الصحية، وتعزيز قدرات المجتمعات، وتقليص بصمتنا البيئية.
ويُعد برنامجنا للوصول إلى الرعاية الصحية في كينيا أحد أبرز الأمثلة على ذلك، حيث أجرينا فحوصات للكشف عن الأمراض المزمنة لأكثر من 200 ألف شخص، كما التحق أكثر من 20 ألف شخص ببرامج للرعاية طويلة الأمد، تشمل التوعية والفحص والتشخيص والعلاج والمتابعة.
وبالتوازي مع ذلك، تمضي مبادرة Angels في تعزيز مسارات رعاية مرضى السكتة الدماغية في مختلف أنحاء المنطقة، فيما تدعم ركيزة “بيئة أفضل” طموحنا لتحقيق الحياد الكربوني في عملياتنا بحلول عام 2030.
إن مثل المبادرات تجسد التزامنا بإحداث أثر صحي واجتماعي وبيئي مستدام، يعود بالنفع على الأجيال القادمة.
- كيف يبدو نظام الرعاية الصحية المستدام فعلياً في منطقة الهند والشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا؟
بالنسبة لي، تقوم الاستدامة في جوهرها على تحقيق التوازن بين الابتكار في الرعاية الصحية وسهولة الوصول لخدماتها، وبين تلبية الاحتياجات الصحية الراهنة والتخطيط للمستقبل، وبين النمو الاقتصادي وتحقيق نتائج صحية أفضل.
وتشهد أنظمة الرعاية الصحية في المنطقة تسارع وتيرة النمو السكاني تزامناً مع ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة، في الوقت الذي يزداد فيه زخم الابتكار العلمي. إلا أن التحدي الأبرز هنا يكمن في ضمان وصول فوائد هذا التقدم إلى الأشخاص الأكثر احتياجاً إليها.
ولكي تعمّ فائدة التقدم العلمي على كلّ من يحتاج له، لابد من تعزيز التشخيص المبكر، وإعداد كفاءات صحية متمرسة وعالية الكفاءة، وتطوير نماذج متكاملة للرعاية، وتعزيز التعاون بين الحكومات ومقدمي خدمات الرعاية الصحية والمؤسسات الأكاديمية والقطاع الخاص وجمعيات المرضى.
- غالباً ما يُنظر إلى الابتكار باعتباره مفتاحاً لتطوير الرعاية الصحية. فكيف يمكن للابتكار تعزيز مرونة الأنظمة الصحية وتحسين الوصول إلى الرعاية في المنطقة؟
تتخطى أهمية الابتكار بمراحل مجرد الاكتشافات العلمية الرائدة. فهو يشمل التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي ونماذج تقديم الرعاية الجديدة وأشكال التعاون التي تسهم في تحسين النتائج الصحية للمرضى، بالتوازي مع رفع كفاءة أنظمة الرعاية الصحية. فالذكاء الاصطناعي، على سبيل المثال، يتمتع بإمكانات هائلة لجعل فحوصات الكشف عن الأمراض أسرع وأكثر دقة وكفاءة من حيث التكلفة، بما يتيح اكتشاف الحالات في مراحل مبكرة وبدء العلاج في وقت أقرب.
ونؤمن أيضاً بأن الابتكار يأتي بصورة متزايدة من خارج الأطر المؤسسية التقليدية. ولذلك، نحرص على تكثيف تعاوننا مع الشركات الناشئة والمنظمات غير الحكومية ورواد الأعمال الاجتماعيين، لما يمتلكونه من معرفة عميقة باحتياجات مجتمعاتهم ورؤى جديدة يمكن أن تسهم في مواجهة تحديات الرعاية الصحية عبر حلول عملية قابلة للتطبيق على نطاق واسع.
إن طموحنا اليوم لا يقتصر على العمل مع المؤسسات الكبرى فحسب، بل نسعى كذلك إلى التعاون مع المبتكرين الذين يدركون الاحتياجات الفريدة لمجتمعاتهم، لأنهم الأكثر قدرة على المساهمة في إحداث أثر مستدام وطويل الأجل.
- يبدو أن الشراكات تشكل محوراً أساسياً في استراتيجيتكم. لماذا تحظى بهذه الأهمية؟
لا يمكن لأي جهة مواجهة أكبر التحديات الصحية التي يشهدها مجتمعنا اليوم بمعزل عن المؤسسات والجهات المعنية الأخرى. فسواء كان الأمر مرتبطاً بالأمراض المزمنة أو الصحة النفسية أو الوصول إلى الرعاية الصحية أو تطوير الكوادر والكفاءات، فإن إحراز تقدم حقيقي يستدعي تكثيف التعاون وتوطيد الشراكات عبر مختلف القطاعات.
ومن هذا المنطلق، فإن هذه الفلسفة راسخة ضمن استراتيجية عملنا. ففي مختلف أنحاء منطقة الهند والشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا، نعمل بشكل وثيق مع الحكومات ومؤسسات الرعاية الصحية والمؤسسات الأكاديمية وجمعيات المرضى وشركائنا في القطاع، لدعم الأولويات الصحية التي تلبي الاحتياجات المحلية. وتجمع هذه الشراكات بين الخبرات العلمية والمعرفة المحلية بهدف تطوير حلول عملية وملائمة ومستدامة.
ندرك أيضاً أن الابتكار المؤثر يبدأ في الغالب من المجتمع نفسه. ولذلك، نتعاون بشكل وثيق مع المنظمات غير الحكومية والشركات الناشئة ورواد الأعمال الاجتماعيين، مستفيدين من فهمهم العميق للسياقات المحلية في تطوير حلول عملية وقابلة للتطبيق على نطاق واسع، وتستجيب للاحتياجات الفريدة لكل سوق.
ويمثل برنامجنا للوصول إلى الرعاية الصحية في كينيا نموذجاً واضحاً لما يمكن أن يحققه التعاون بين مختلف الأطراف، إذ أسهمت الشراكات مع الجهات المحلية في توسيع نطاق الوصول إلى فحوصات الأمراض المزمنة وخدمات الرعاية طويلة الأمد. كما توضح مبادرات مثل Angels كيف يمكن للتعاون أن يسهم في تعزيز أنظمة الرعاية الصحية وتحسين النتائج الصحية للمرضى في مختلف أنحاء المنطقة.
- تولون في عملكم اهتماماً كبيراً أيضاً بالمجتمعات والأجيال الشابة. لماذا يشكل ذلك أولوية بالنسبة لكم؟
ينظر الجيل الجديد اليوم للمؤسسات بطريقة مختلفة، إذ يتطلع شباب اليوم بصورة متزايدة للعمل لدى مؤسسات هادفة تضع بصمة اجتماعية وبيئية جليّة، دون الاكتفاء بتحقيق النجاح المالي. فأنظارهم اليوم تتجه لما هو أبعد من أداء الأعمال، حيث يتوقعون من الشركات أن تضطلع بدور فاعل في مواجهة أبرز التحديات التي تواجه المجتمع.
يدفعنا هذا التحول إلى التفكير مليّاً في طرق تفاعلنا مع المجتمعات وقادة المستقبل. لذلك نعمل على استكشاف مبادرات جديدة تشجع العمل التطوعي والتعاون والمشاريع التي تقودها المجتمعات، انطلاقاً من قناعتنا بأن تحقيق التنمية المستدامة مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الجميع، وليست محصورة بالشركات أو الحكومات فقط.
إن إحداث الأثر الإيجابي المنشود لا يتطلب دائماً ميزانيات ضخمة، بل قد يكفي لتحقيقه وجود أشخاص ملتزمين ذوي أفكار مبتكرة، وشركاء يؤمنون حقاً بأهمية إحداث فارق.
- بالنظر إلى المستقبل، ما الإرث الذي تأملون أن تتركه استراتيجيتكم “تنمية مستدامة لأجيال قادمة” في منطقة الهند والشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا؟
إن طموحنا أكبر من مجرد تنفيذ مشاريع منفردة. لذلك، يبرز اليوم التزام “بوهرنجر إنجلهايم” العالمي بإحداث أثر إيجابي في حياة 50 مليون شخص بحلول عام 2030 من خلال ركيزة “صحة أفضل”. ونظراً لأن منطقة الهند والشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا تضم ما يقارب نصف سكان العالم، فإننا ندرك حجم المسؤولية التي تقع على عاتقنا، وكذلك الفرصة الكبيرة التي تتيحها لنا هذه المنطقة.
وبالنسبة لنا، فإن قياس نجاحنا لا يكون بعدد البرامج التي نطلقها، بل بالقيمة المستدامة التي تحققها للمرضى والمجتمعات وأنظمة الرعاية الصحية. ولهذا نولي الاستدامة المالية أهمية كبيرة إلى جانب الأثر الاجتماعي. ويتمثل هدفنا في تطوير مبادرات قادرة على تحقيق الاستدامة الذاتية بالاستناد إلى شراكات محلية قوية، بما يسهم في إحداث تحسينات مستدامة في الوصول إلى الرعاية الصحية والنتائج الصحية.
وهذا بالضبط ما يجسده مفهوم “تنمية مستدامة – لأجيال قادمة”، إذ يعني بناء أنظمة رعاية صحية أكثر كفاءة، ومجتمعات أكثر صحة، وإحداث أثر مستدام لا يقتصر نفعه على مرضى اليوم، بل يمتد إلى الأجيال القادمة.