يتطلب المسار نحو مبانٍ خالية من الانبعاثات الكربونية في دول مجلس التعاون الخليجي جهوداً أكبر بحيث لم يعد الأمر يقتصر على مجرد التزامات سياسية، بل يستلزم وجود منهجيات هندسية دقيقة تُحدد وتُوجه وتُوثق خفض انبعاثات الكربون في كل مرحلة من مراحل عمر المبنى. ومع تسارع وتيرة المنطقة في تحقيق أهدافها المناخية، يبرز إطار تقني متطور يرتكز على تقييم الكربون طيلة دورة حياة المبنى كنهج حاسم لتحقيق نتائج ملموسة في خفض الانبعاثات الكربونية.
تحليل البصمة الكربونية: إطار عمل دورة حياة من أربع مراحل
يبدأ الخفض الفعال لانبعاثات الكربون بإجراء قياس شامل، حيث تقوم هندسة الكربون طيلة العمر الافتراضي للمبنى بدراسة الانبعاثات عبر أربع مراحل متميزة، تتطلب كل منها مناهج تحليلية متخصصة واستراتيجيات تدخل فعّالة.
تشمل مرحلة الكربون الأولي جميع الانبعاثات الناتجة عن استخراج المواد الخام، وعمليات التصنيع، والنقل إلى مواقع العمل، وأنشطة البناء. أما مرحلة الكربون التشغيلي فتُعنى باستهلاك الطاقة طوال فترة استخدام المبنى. وتتناول مرحلة الكربون النهائي الانبعاثات الناتجة عن عمليات الهدم والتخلص من المبنى في نهاية عمره الافتراضي. بينما تُغطي مرحلة الكربون الممتد الفوائد المحتملة لإعادة استخدام المواد، وإعادة التدوير، واستعادة الطاقة.
ويكشف هذا الإطار الشامل عن رؤية بالغة الأهمية: يشكل الكربون المُضمّن، أي الانبعاثات المُحتجزة في المواد وعمليات البناء، عادةً ما بين 30 و40% من إجمالي البصمة الكربونية للمبنى طيلة دورة حياته في دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أنه قد يصل إلى 70% في مناطق أخرى من العالم. ولم تحظ هذه النسبة الكبيرة تاريخياً بالاهتمام الكافي في مسيرة تحقيق الاستدامة، حيث انصبّ التركيز في المقام الأول على الكفاءة التشغيلية. ويُعزى ذلك بشكل رئيسي إلى ضعف السيطرة على سلسلة التوريد وقلة المعلومات المتاحة حول الكربون المُضمّن.
قياس الأثر: أدلة من التطبيق الإقليمي
أظهرت المشاريع الأخيرة في دول مجلس التعاون الخليجي توجهاً نحو قياس الأثر الفعلي لاستراتيجيات خفض الكربون. ففي المشاريع السكنية التي تتراوح مساحتها بين 10,000 و15,000 متر مربع، حققت التدخلات الشاملة خفضاً بنسبة 40% في انبعاثات الكربون المُضمنة، حيث انخفضت في المتوسط من 18,000 إلى 11,000 طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون على مدى فترة تقييم امتدت 60 عاماً. وفي الوقت نفسه، حققت هذه المشاريع وفورات بنسبة 30% في انبعاثات الكربون التشغيلية، مما خفض كثافة الانبعاثات من 110 إلى 77 كيلوجراماً من ثاني أكسيد الكربون لكل متر مربع سنوياً. ويُحقق التأثير المُضاعف لمعالجة كلٍ من انبعاثات الكربون المُضمنة والتشغيلية أثراً أكبر بكثير من أي استراتيجية يتم تنفيذها بشكل منفصل.
وتستند هذه النتائج إلى أربع قدرات فنية أساسية: وضع معايير مرجعية شاملة باستخدام مجموعات بيانات خاصة بكل منطقة، وتحليل دقيق لسلسلة التوريد لتحديد نقاط التدخل ذات الأثر الكبير، واستراتيجيات تدخل مرتبة حسب الأولوية بشكل منهجي بناءً على نسب جدوى التكلفة في المراحل الرئيسية للمشروع، وإرشادات فنية على مستوى المحفظة لضمان تنسيق التنفيذ.
التسلسل الهرمي للتدخلات: إعطاء الأولوية لإزالة الكربون الحقيقية
تتبع هندسة الكربون الفعّالة طيلة دورة حياة المبنى تسلسلاً هرمياً واضحاً للتدخلات، يُعطي الأولوية لخفض الانبعاثات المباشرة على حساب آليات المفاضلة.
ويمثل تحسين التصميم التدخل الأكثر تأثيراً. إذ تُرسّخ مبادئ اختيار المواد الاستراتيجية، وتحسين كفاءة الهيكل، وإشراك سلسلة التوريد، أداءً أساسياً للكربون بأقل تكلفة إضافية عند تطبيقها خلال المراحل الأولى من التصميم.
ويسهم تعزيز الكفاءة التشغيلية في تحسين أداء أنظمة المباني إلى أقصى حد من خلال تحديد أحجام المعدات، واستراتيجيات التحكم المتقدمة، وعمليات التشغيل المستمر. أما عمليات التحديث الشاملة ودمج الطاقة المتجددة، فتُعالج المباني القائمة من خلال ترقيات الطاقة وتوليد الطاقة المتجددة في الموقع.
ويعد تعويض الكربون استراتيجية تكميلية للانبعاثات المتبقية التي لا يمكن إزالتها من خلال التدخل المباشر.
ويضمن هذا التسلسل الهرمي تحقيق خفض الكربون من خلال تدخلات مادية قابلة للتحقق، بدلًا من الاعتماد على الآليات المالية وحدها.
بناء بنية تحتية إقليمية للبيانات
تعتمد هندسة الكربون الفعّالة طيلة العمر الافتراضي للمنتج على وجود بنية تحتية قوية للبيانات تغطي خصائص الأداء الخاصة بكل منطقة. ويمثل النقص الحالي في بيانات الإعلان البيئي للمنتجات على المستوى الإقليمي تحدياً وفرصة في الوقت نفسه لتطوير قواعد بيانات محلية شاملة.
ويتطلب وضع معايير إقليمية للتكافؤ الجمع المنهجي للبيانات عبر سلاسل توريد المواد وعمليات التصنيع وشبكات النقل الخاصة بأسواق دول مجلس التعاون الخليجي.
ابتكار المواد وتحويل سلسلة التوريد
يمكن لبدائل الخرسانة منخفضة الكربون، بما في ذلك المواد الأسمنتية التكميلية، أن تقلل من كثافة الكربون في الخرسانة بنسبة 40-60% مع الحفاظ على متطلبات الأداء الإنشائي. وبالمثل، فإن تحديد قضبان التسليح الفولاذية ذات معامل الاحترار العالمي المنخفض (GWP) يمكن أن يقلل من انبعاثات التسليح بنسبة 30-50% مقارنةً بالفولاذ التقليدي.
كما يجب أن تتطور أطر الشراء لتشمل أداء الكربون طيلة دورة حياة المنتج كمعيار تقييم أساسي إلى جانب اعتبارات التكلفة والجدول الزمني. وتشجع المواصفات القائمة على الأداء، والتي تحدد حدود كثافة الكربون بدلاً من متطلبات المواد الإلزامية، على ابتكار سلسلة التوريد مع الحفاظ على معايير الجودة.
حلول التوسع: من المشاريع إلى المحافظ الاستثمارية
يمثل الانتقال من تحسين انبعاثات الكربون على مستوى المشروع إلى استراتيجيات إزالة الكربون على مستوى المحفظة الاستثمارية تحدياً مهماً في مجال التوسع.
وتضع المبادئ التوجيهية الفنية الموحدة معايير أداء ثابتة عبر مختلف أنواع المشاريع، مع إتاحة المرونة اللازمة لتحسين كل مشروع على حدة.
وتستفيد استراتيجيات الشراء على مستوى المحفظة الاستثمارية من الطلب المُجمع للتأثير على تحوّل سلسلة التوريد، مما يشجع المصنّعين على الاستثمار في قدرات إنتاجية منخفضة الكربون. كما يتيح تنسيق الجداول الزمنية للتنفيذ توفير المنتجات في السوق عند الحاجة، ما يقلل من مخاطر التنفيذ، ويسهل نقل المعرفة بين المشاريع.
هندسة العمل المناخي الفعال
تقوم هندسة الكربون الشاملة بتحويل الالتزامات المناخية المجردة إلى مواصفات فنية ملموسة، وأهداف أداء قابلة للقياس، ونتائج قابلة للتحقق. وقد تُمكّن استراتيجيات الكربون الشاملة التي تتناول مواد البناء واستخدام الطاقة، دول مجلس التعاون الخليجي من تحقيق أهداف خفض الانبعاثات الكربونية بكفاءة عالية من حيث التكلفة.
وتُشكّل الأطر الفنية والأدوات الرقمية ومنهجيات التنفيذ التي تظهر حالياً في المنطقة، إعادة تصور جذرية لطريقة تصميم المباني وبنائها وتشغيلها. ويتيح هذا النهج الشامل لدول مجلس التعاون الخليجي المساهمة بفعالية في تحقيق المستهدفات العالمية من العمل المناخي، فضلاً عن إرساء معايير جديدة للتنمية المستدامة في ظل الظروف المناخية الصعبة.
بقلم غاياتري أوداي، مهندسة رئيسية في مجال الاستدامة وصافي الانبعاثات الصفرية لدى جي أل أل الشرق الأوسط