يؤدي تغيّر المناخ إلى إعادة تشكيل القطاع الزراعي على نحو جذري، حيث تتسبب موجات الجفاف والفيضانات واختلال أنماط الطقس وتدهور التربة في تعطيل النظم الغذائية وتهديد سُبل العيش عبر جميع أنحاء العالم.
ويواجه المزارعون والباحثون ووكالات الإرشاد الزراعي وصنّاع السياسات التحدي نفسه في صعوبة الوصول إلى المعرفة الزراعية الموثوقة. وعلى الرغـم من توافر البيانات اللازمة للتكيّف مع الظروف المتغيّرة، إلا أنها مُشتّتة وغير متسقة، وغالباً ما يصعب إتاحتها لمن هم في أمسّ الحاجة إليها.
ويأتي الذكاء الاصطناعي اليوم بوصفه أداة قادرة على ردم هذه الفجوة في البيانات.
في ديسمبر، أطلقنا نموذج AgriLLM، وهو نموذج لغوي كبير مفتوح المصدر تم تدريبه على بيانات زراعية متخصصة.
وتمثل مبادرة AgriLLM – والتي يقودها مكتب الشؤون الدولية في ديوان الرئاسة بدولة الإمارات – شراكة دولية واسعة تضم مؤسسة غيتس، والمجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية (CGIAR)، والشركة البرازيلية للأبحاث الزراعية (Embrapa)، ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، والصندوق الدولي للتنمية الزراعية، والبنك الدولي، ومكتب المفوضية الأوروبية للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية (إيكو)، إلى جانب جامعات ومراكز بحوث زراعية رائدة. وتضطلع شركة ai71 بدور شريك الذكاء الاصطناعي في هذه المبادرة، حيث تساهم في تطوير نموذج متاح عالمياً مع مراعاة السياقات المحلية للدول والمناطق المختلفة، وقائم على مبدأ المشاركة العادلة.
لماذا تحتاج الزراعة إلى ذكاء اصطناعي مخصّص؟
أحدثت نماذج الذكاء الاصطناعي العامة تحولاً نوعياً في طرائق الوصول إلى المعلومات والتفاعل معها، غير أن القطاع الزراعي تحديداً يتطلب مستوى أعلى من الدقة والتخصص؛ إذ تتباين الظروف الزراعية بشكل كبير تبعاً لاختلاف المناطق الجغرافية، وأنواع المحاصيل، والأنماط المناخية، وخصائص التربة، فضلاً عن السياقات الاجتماعية والاقتصادية.
وفي غياب التدريب الزراعي المتخصص، قد تُنتج النماذج العامة إرشادات غير مكتملة أو غير دقيقة، الأمر الذي قد يترتب عليه – بالنسبة للمزارعين – آثار جسيمة على المحاصيل الزراعية وسبل العيش.
وانطلاقاً من هذه الحاجة، تم تصميم نموذج AgriLLM لمعالجة هذه التحديات، حيث تم تدريبه على أكثر من 150 ألف عينة من البيانات الزراعية المستمدة من مساهمات ما يزيد على 15 شريكاً عالمياً، مع دمج خبرات علمية وسياسية وميدانية معمّقة.
ويتيح هذا المستوى من التخصص تقديم رؤى واقعية مبنية على السياقات ذات الصلة، بما يدعم اتخاذ قرارات أكثر كفاءة عبر مختلف حلقات سلسلة القيمة الزراعية. كما يُظهر النموذج المتخصص أداءً متفوقاً عند دمجه مع أدوات إضافية (مثل التوليد المعزز بالاسترداد، وغيرها)، مما يفسح المجال أمام منظومة واسعة من التطبيقات اللاحقة عالية الفاعلية.
ردم الفجوة اللغوية في النظم الغذائية العالمية
تكتسب المعرفة الزراعية قيمتها الحقيقية من قابليتها للفهم والتطبيق العملي. غير أن أغلب الإرشادات الزراعية المتداولة عالمياً يُنشر عموماً بلغات واسعة الانتشار، وفي مقدمتها اللغة الإنجليزية، الأمر الذي يحول دون وصولها إلى جميع المجتمعات.
واستجابةً لهذا التحدي، استند تطوير نموذج AgriLLM إلى نماذج أساسية متعددة اللغات، حيث تم تطوير نسخة قائمة على نموذج Llama لدعم 8 لغات عالمية رئيسية، عدا عن تطوير نسخة أخرى بالاعتماد على نموذج Qwen لتوسيع التغطية اللغوية لتشمل أكثر من 100 لغة ولهجة.
ومن خلال الاعتماد منذ البداية على نماذج تراعي التعدد اللغوي ورفدها بخبرة متخصصة في المجال الزراعي، يضمن نموذج AgriLLM إتاحة الرؤى الزراعية الجوهرية عبر لغات متعددة ومناطق جغرافية مختلفة، بما يتيح وصولها إلى الجهات الأشد الحاجة إليها.
عرض تطبيقات الذكاء الاصطناعي في السياق الميداني
تزامناً مع إطلاق نموذج AgriLLM، تم تطوير وعرض أربعة مساعدين آليين مدعومين بالذكاء الاصطناعي بهدف إيضاح سبل تحويل هذا النموذج إلى أدوات عملية تستجيب للاحتياجات الفعلية في القطاع الزراعي.
ويعالج كل مساعد المعلومات من منظور فئة المستخدم المستهدفة، حيث يتلقى المزارعون إرشادات تطبيقية قابلة للتنفيذ الفوري، وتحصل وكالات الإرشاد الزراعي على تحليلات تقنية معمّقة لدعم أنشطتها الميدانية، بينما يُتاح للباحثين الوصول إلى معارف منظمة قائمة على الأدلة، ويُزوَّد صانعو السياسات بملخصات مركزة تساعدهم على التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد.
يشكل هؤلاء المساعدون الآليون نماذج إرشادية تُبرز قدرة AgriLLM على دعم تطوير تطبيقات محلية تساهم في تعزيز الإنتاجية والمرونة والأمن الغذائي عند تقديمها في الإطار والسياق المناسبين.
المصادر المفتوحة بوصفها أساساً للتعاون العالمي
منذ انطلاقه، تمحورت رسالة نموذج AgriLLM حول تمكين المجتمعات الزراعية على اختلاف مكوناتها.
ومن خلال طرح النموذج كمصدر مفتوح، يصبح في مقدور الحكومات والمؤسسات البحثية والشركات الناشئة والمنظمات غير الربحية تكييفه وتطويره بما يتلاءم مع احتياجاتها المحلية أو متطلباتها التجارية. ويُساهم هذا النهج في ضمان تشارك الابتكار الزراعي وتحقيق المنفعة العامة على المستويين الإقليمي والعالمي.
كما يتيح الإصدار المفتوح من AgriLLM على منصة Hugging Face إمكانية تحميل النموذج وتعديله أو دمجه ضمن تطبيقات جديدة، مدعوماً بوثائق فنية وأدوات تقييم مخصصة.
أساس للمستقبل
يشكّل نموذج AgriLLM نقطة انطلاق فقط، ويجسد الطريقة التي يمكن من خلالها للذكاء الاصطناعي دعم تطبيقات معقدة وعالية التأثير.
وفي إطار هذا التوجه الأوسع، أعلنت المجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية (CGIAR) مؤخراً عن إنشاء مركز ذكاء اصطناعي تابع لها في أبوظبي، وتقدّم من خلاله ما يزيد على 50 عاماً من الخبرة العلمية التي تمتلكها المراكز البحثية الثلاثة عشر التابعة للمجموعة.
وتدعم شركة ai71 هذا المركز كشريك رئيس في مجال الذكاء الاصطناعي، وذلك من خلال توفير القدرات الفنية اللازمة لضمان تحويل نتائج البحث إلى أنظمة ذكاء اصطناعي عملية، قابلة للتطبيق والتطوير وملائمة لبيئات العالم الواقعي.
في المحصلة، لا يُقاس الذكاء الاصطناعي التطبيقي بحداثته، بل بمدى تأثيره الفعلي – سواء على صعيد تحسين عملية اتخاذ القرار، أو تعزيز المرونة المناخية، أو دعم المؤسسات والمجتمعات في مواجهة الظروف المتغيرة. ويشكّل نموذج AgriLLM مثالاً واضحاً لما يمكن تحقيقه عند تصميم الذكاء الاصطناعي لتلبية تلك المتطلبات.
بقلم مهدي غساسي، الرئيس التنفيذي للمنتجات والتقنية في شركة ai71