Home قصص تحليليةسواعد أكوا في سواحل رابغ

سواعد أكوا في سواحل رابغ

عندما تتحول المسؤولية البيئية من أرقام عابرة إلى جذور ممتدة

by saleh

في أواخر ديسمبر 2025، وبينما كانت الشمس ترسل خيوطها الأولى على ساحل رابغ الهادئ، لم تكن المشاهد هناك توحي بيوم عمل اعتيادي لمهندسين وفنيين تعودوا على الاستيقاظ المبكر. فبعيداً عن صخب التوربينات وضجيج المكاتب، كان موظفو أكوا وشركاتها التابعة يخوضون غمار الطين الساحلي، يوازنون على أكتافهم أطباقاً تحمل شتلات المانجروف بعناية فائقة، في مشهد يجسد ملامح الخدمة الاجتماعية في أبهى صورها.

لم تكن الفعالية مجرد مشهد بروتوكولي، بل كانت هندسة بيئية مكتملة الأركان. هنا، امتزجت سواعد المهندسين والمحاسبين والمشغلين لتنفيذ مخطط زراعي دقيق، تم رسمه بناءً على دراسات طوبوغرافية وحسابات لحركة المد والجزر أُنجزت قبل أشهر، لضمان أن كل شتلة غُرست ستجد طريقها لتصبح جزءاً من غابة ساحلية صامدة.

مواجهة التحدي: من الكم إلى الأثر

هذه المبادرة جاءت لتعيد صياغة مفهوم المسؤولية الاجتماعية لدى أكوا. وعن هذا التحول، يكشف الدكتور هشام الغامدي، المشرف على برامج المسؤولية الاجتماعية في الشركة، عن مراجعة نقدية لتجارب سابقة، قائلاً: حين أطلقنا مشتل الشعيبة قبل أعوام لدعم مبادرة السعودية الخضراء، وزعنا نحو 400 ألف شتلة، لكننا اكتشفنا فجوة في المتابعة؛ فبمجرد تسليم الشتلات للجهات المحلية، كنا نفقد القدرة على قياس أثرها الحقيقي أو ضمان بقائها.

ويضيف الغامدي: كان هذا النموذج غير مستدام من منظورنا الاستراتيجي للوصول إلى (الحياد الصفري). لذا، انتقلنا اليوم إلى نموذج إعادة التشجير الدقيق، الذي يبدأ بتقييم الموقع وينتهي بمراقبة نمو الشتلات والتعويض الفوري لأي فاقد، وهو ما طبقناه فعلياً في مشروع رابغ.

تحالف سعودي نحو العالمية

على مساحة تتجاوز مليوني متر مربع، وبترخيص من المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي، بدأت ملامح هذا النظام البيئي الجديد تتبلور. وبنهاية ديسمبر، استقرت 54,253 شتلة في بيئتها الجديدة، بنسبة إنجاز بلغت 90%

ولضمان الدقة المطلقة، تحالفت أكوا مع شركة الحياد الصفري، وهي شركة سعودية رائدة تستخدم تقنيات الأقمار الصناعية لرصد الغطاء النباتي، وقد وصلت بخدماتها إلى أسواق عالمية كالبرازيل ومصر وأفريقيا. هذا التحالف يضمن توثيق كل شتلة رقمياً، وحساب كميات الكربون التي تمتصها، واستبدال أي شتلة لا تصمد أمام الظروف الطبيعية، مما يجعل الأثر البيئي مستداماً وموثقاً.

لماذا المانجروف؟

من جانبه، يضع المهندس عبدالرحمن الصم، مدير إدارة المسؤولية الاجتماعية والاستدامة في أكوا، المبادرة في سياقها الاستراتيجي، موضحاً: بصفتنا شركة تقود قطاع تحلية المياه، خاصة على الساحل الغربي للمملكة، نؤمن بمسؤوليتنا العميقة تجاه الأنظمة البيئية التي نعمل فيها. المانجروف ليس مجرد خيار بيئي، بل هو بطل مناخي بامتياز؛ لقدرته الفائقة على احتجاز الكربون وحماية الشواطئ وتوفير ملاذ آمن للحياة البحرية.

ويرى الصم أن هذا المشروع هو نموذج يحتذى به للشراكة بين القطاعين العام والخاص والمجتمع، بما يتماشى مع مستهدفات مبادرة السعودية الخضراء، مؤكداً أن الاستثمار في الطبيعة هو المسار المكمل للتقليل من انبعاثات الكربون.

أمانة في عهدة الطبيعة

بعد أن غادر المتطوعون الساحل وعادوا إلى غرف التحكم ودهاليز المصانع، ستبقى الأقمار الصناعية ساهرة على مراقبة هذا الاستثمار الحي. الفكرة في أكوا لم تعد تقتصر على يوم للزراعة، بل امتدت لتأسيس فرق عمل دورية من الموظفين تعود للموقع لمتابعة نمو الغابة الساحلية.

اليوم، تترك أكوا على ساحل رابغ نوعاً مختلفاً من البنية التحتية؛ بنية لا تعتمد على الفولاذ والخرسانة، بل على جذور حية تنمو وتتنفس، وتتعهد الشركة برعايتها لتكون شاهداً حياً على التزام وطني يمتد لأجيال قادمة.

You may also like