- لا تزال الفجوة بين الأوساط الأكاديمية وعالم الشركات قائمة عالمياً. كيف تتعاملون في كلية لندن لإدارة الأعمال مع هذا التحدي؟
ندرك في كلية لندن لإدارة الأعمال أهمية تطبيق المعارف النظرية على أرض الواقع للحصول على تجربة تعليمية متكاملة، لذلك يعمل أعضاء هيئتنا التدريسية مع شركاتٍ عالمية رائدة في مجالات البحث التطبيقي والتعليم والتعلّم على اختبار الأفكار النظرية في بيئات الأعمال الفعلية. ويستند منهاجنا الأكاديمي إلى تحدياتٍ حقيقية تواجه الشركات، حيث نستضيف الخبراء في القاعات الدراسية، ونمنح طلاب الشهادات الجامعية والدراسات العليا فرصاً واسعة للتدريب العملي، وخوض تحديات مباشرة ضمن بيئة الشركات، والاستفادة من تجارب تعليمية تطبيقية مكثفة. وتتجسد هذه الرؤية في برنامج التجارب العالمية الذي نقدمه في 22 مدينة حول العالم، بدءاً من برنامج التجربة في الرياض تحت عنوان “إطلاق آفاق الابتكار: التحول الاقتصادي في المملكة العربية السعودية”، إلى نسخته في ليما بعنوان “إعادة الابتكار في أوقات الاضطراب”، بما يمنح الطلاب فهماً عميقاً للأسواق وسياقاتها المتغيرة.
كما تحتل برامج التعليم التنفيذي المفتوحة والمخصصة لدينا مكانة رائدة عالمياً، إذ صُنّفت في المرتبتين الأولى والثانية عالمياً وفق تصنيف صحيفة فايننشال تايمز. ويستند هذا النجاح إلى منهجيتنا القائمة على التعاون عن كثب مع شركائنا، إذ نستمع إلى احتياجاتهم، ونفهم سياق عملهم، ثم نصمم معهم تجارب تعلّم تمكّن قادتهم من تحقيق أهدافهم على الصعيدين الفردي والمؤسسي، إلى جانب تعزيز روح الفريق لديهم.
ومع تسارع دور تقنيات الذكاء الاصطناعي في أتمتة العديد من المهام، لم يعد تطوير المهارات التحليلية وحده كافياً، لذلك نركز على تحسين القدرة على اتخاذ القرار والتكيف والمرونة الذهنية على أرض الواقع، ونُزوّد التنفيذيين بالعقلية وشبكات العلاقات التي تضمن نجاح قيادتهم في البيئات المعقدة. يتسم عالم اليوم بتعقيدٍ كبير، مما يصعّب على القيادة الفردية امتلاك حلولٍ لجميع التحديات، وعليه فقد أطلقنا هذا العام تحالف 100 شركة، وهو تحالفٌ حصري يضم شركات عالمية ومؤسسات وشركات صغيرة ومتوسطة ومنظمات مجتمع مدني، بهدف العمل معاً على معالجة أكثر تحديات الأعمال إلحاحاً، والاستفادة من خبرات الكلية، ومن ثم مشاركة معارفهم ورؤاهم القيمة في ما بينهم.
- تتزايد الضغوط الجيوسياسية اليوم على معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات. ما هي رؤيتكم لمستقبل الاقتصادين الأخضر والأزرق على المستوى العالمي عامةً، وفي الشرق الأوسط خاصةً؟
لا شك أن معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات تواجه ضغوطاً جيوسياسية ملحوظة، غير أنني متفائلٌ بمستقبل الاقتصادين الأخضر والأزرق خاصةً في الشرق الأوسط.
قد تؤدي التوترات السياسية وتباين أطر العمل التنظيمية إلى إبطاء وتيرة التقدم نحو الاقتصادين الأخضر والأزرق، إلا أن الدوافع الجوهرية لهذه الرحلة ما تزال قائمة ومؤثرة، من تغير المناخ وندرة الموارد إلى توقعات الجهات المعنية. كما نشهد في منطقة الشرق الأوسط تحولاً تدريجياً من الاعتماد على الهيدروكربونات إلى تقديم استثمارات طموحة في مشاريع الطاقة المتجددة، وإدارة الموارد المائية، والبنية التحتية المستدامة. وبعيداً عن إطار السياسات، بدأت بعض المبادرات تقترن باستثماراتٍ حقيقية في الابتكار وتنمية رأس المال البشري، وفي مقدمتها استراتيجية الإمارات للحياد المناخي.
أما على الصعيد العالمي، فقد بات القادة والمستثمرون يدركون أن تعزيز المرونة وخلق القيمة على المدى البعيد يتطلبان دمج معايير الحوكة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات في صميم الاستراتيجية المؤسسية، بغض النظر عن التقلبات السياسية المباشرة. ومن ناحية أخرى، تتميز منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بقاعدة واسعة من جيل الشباب، الذي يمتلك بطبيعته وعياً متزايداً بقضايا الاستدامة البيئية والشمول الاجتماعي، ويُظهر اهتماماً ملحوظاً بمعالجة هذه القضايا. إذاً للحفاظ على هذا المسار وتحويل الطموحات إلى أثرٍ فعلي ملموس، لا بدّ من تعزيز التعاون باستمرار بين الشركات والقطاع الحكومي والمؤسسات الأكاديمية.
- كيف يمكن لكليات إدارة الأعمال تعزيز المثابرة والالتزام بمعايير الحوكمة بعد أن باتت تشهد تقلباتٍ في ظل التوترات العالمية؟
ليست المثابرة سمة فطرية بقدر ما هي مهارة يمكن تنميتها وصقلها، وهنا يبرز الدور المحوري لكليات إدارة الأعمال. فنحن لا نركز على بناء القدرات الفنية والتحليلية فحسب، بل نولي أهمية قصوى لتشكيل الذهنية القيادية القادرة على التكيف واتخاذ قراراتٍ رصينة في بيئاتٍ غير مستقرة.
ونعتمد في هذا السياق على مجموعاتنا الدراسية العالمية التي تضم شخصياتٍ قيادية وخبراءً متمرسين من قطاعات وخلفيات متنوعة، بما يضمن تعزيز ثقافة التعاون، والتشجيع على تبادل الخبرات، وتمكين التنفيذيين من صقل مرونتهم العملية التي تتيح لهم مواجهة التحديات بثقة وثبات.
- يحذّر بعض الخبراء من مخاوف فقاعة الذكاء الاصطناعي. كيف يمكن لكليات إدارة الأعمال الحد من المخاطر المتعلقة بهذه المخاوف؟
لا شك أن الذكاء الاصطناعي قد أحدث نقلة نوعية وغير مسبوقة في مختلف نواحي الحياة، إلا أن وتيرة الاستثمار المتسارع والتوقعات المتزايدة قد تفوق مستويات الفهم العملي العميق لهذا المجال وقدرته الفعلية على خلق القيمة.
وتتطلب المرحلة الحالية، المتمحورة حول الذكاء الاصطناعي والأتمتة، وجود قادة قادرين على الجمع بين الإلمام التقني الواسع والمحاكمة العقلية الصحيحة من جهة، وفهم كيفية الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي من جهة ثانية، للنجاح في توليد القيمة وتعزيز الابتكار وتحقيق أثر إيجابي ملموس على مستوى الأعمال والمجتمع. ولذلك أطلقنا في كلية لندن لإدارة الأعمال مبادرة علوم البيانات والذكاء الاصطناعي، التي تعمل على تزويد القادة وصناع السياسات والأكاديميين بأطر العمل اللازمة لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي بطريقة استراتيجية ومسؤولة. ولتكميل هذه الجهود، فإننا نؤسس لمجتمع قائم على تبادل الأفكار الجريئة المبتكرة وتعزيز الأثر المستدام على نطاق واسع، يضم أعضاء الهيئة التدريسية والطلبة والخريجين وشركاء القطاع.
وتقوم جميع برامجنا، بما فيها البرامج المخصصة مثل الماجستير التنفيذي في الذكاء الاصطناعي واستراتيجية الجيل القادم للتحول الرقمي، بتشجيع المدراء التنفيذيين على التشكيك في الافتراضات السائدة، وتقييم الإمكانات الفعلية للتقنيات الجديدة ومحدوديتها، والتركيز على الأثر المستدام بدلاً من التوجهات المرحلية المؤقتة. كما نعمل في الكلية على ترسيخ الفهم العميق لتقنيات الذكاء الاصطناعي لدى المتعلمين، مع تعزيز قدرتهم على إعادة هيكلة نماذج العمل المؤسسية، وإدراكهم أهمية المهارات البشرية التي لا يمكن للتكنولوجيا أن تحل محلّها.
ولا بدّ أن يتحلى القادة بفهم عميق للتكنولوجيا وإدراك لقدراتها بعيداً عن الحماس المتزايد والتوقعات المندفعة، إذ لا يمكن تحقيق قيمة ملموسة اعتماداً على التقنيات لوحدها، بل تستوجب إرساء تصور جديد لآليات العمل، وهيكلية مختلفة للعمليات وسير العمل، وإعادة صياغتها صياغةً جذريا في بعض الحالات لمواكبة التغيرات.
- ما هي أحدث الشراكات التي وقعتها كلية لندن لإدارة الأعمال في الشرق الأوسط؟ وما هو تأثيرها؟
لطالما تعاملت كلية لندن لإدارة الأعمال مع الشراكات في منطقة الشرق الأوسط بوصفها أولوية استراتيجية، ورغم كونها مؤسسة تعليمية عالمية، إلا إن منطقة الشرق الأوسط هي الوحيدة التي تمتلك فيها الكلية حرماً فعلياً خارج لندن. فقد أسسنا فرعاً للكلية في دبي منذ عام 2007، حيث يُدرَّس برنامج الماجستير التنفيذي في إدارة الأعمال؛ وفي عام 2025، افتتحت الكلية مكتباً للتعليم التنفيذي في الرياض، في خطوة تعكس التزامها الراسخ بالمشهد القيادي للمنطقة، وتطلعها لدعم مسيرة التحول الاقتصادي والاجتماعي الطموحة في المملكة العربية السعودية، عبر تحقيق النمو القائم على المعرفة والاستدامة.
وتتعاون الكلية بشكل وثيق مع العديد من المؤسسات، مثل تعاونها مع شركة الدرعية على إطلاق برنامج LEAD، وهو مسار قيادي متكامل يضم القادة من المدراء الناشئين وصولاً إلى كبار المسؤولين التنفيذيين. وقد أسهم البرنامج خلال فترة وجيزة في ترسيخ التواصل المشترك بين القادة، وتعزيز المواءمة الاستراتيجية دعماً لرؤية الدرعية الوطنية، بما يضمن تطور القدرات القيادية ضمن الدرعية بالتوازي مع مكانتها كوجهة ثقافية واقتصادية رائدة على مستوى المملكة.
كما نمتلك شراكةً مع مجموعة روشن تمتد لعدة سنوات، نقدم من خلالها برنامج تطوير الإدارة لإعداد الجيل القادم من القادة في المجموعة. ويدعم البرنامج مساعي تطوير مشاريع العقارات المستدامة وعالية الجودة على نطاق واسع، من خلال تعزيز الحس التجاري لدى القادة والرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى، بما يدعم مساهمة المجموعة في تحقيق تطلعات الإسكان ودعم مستهدفات النمو الاقتصادي الشامل في السعودية.
وتجدر الإشارة إلى أن المواطنين السعوديين يشكلون الشريحة الأكبر بين المشاركين في برنامج الماجستير التنفيذي في حرم الكلية بدبي، مما يعكس الإقبال على برامج الكلية ويجسد أثرها المستدام في المنطقة.