بات مفهوم الاستدامة في البيئة المبنية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالكربون، سواء من حيث استهلاك الطاقة أو الكربون الكامن في مواد البناء أو الانبعاثات الناتجة عن العمليات التشغيلية. أمّا السلامة من الحرائق، فتُطرح عادةً ضمن إطار منفصل يقتصر على الالتزام باللوائح والمعايير، هذا إن حظيت بالاهتمام من الأساس. وبذلك، غالبًا ما تُعتبر مجرد متطلب تنظيمي يجب استيفاؤه، بدلًا من أن تشكّل عنصرًا أساسيًا في عملية التصميم تترتّب عليه أيضًا آثار بيئية. لكن أرى أنّ هذا الفصل بين الاستدامة والسلامة من الحرائق يمثّل نهجًا خاطئًا، وتزداد تكلفته يومًا بعد يوم.
فبعد أن عملت لسنوات طويلة في مجالات فحص أبواب الحريق والحماية السلبية من الحرائق ومعالجة أوجه عدم الامتثال في كل من المملكة المتحدة والإمارات العربية المتحدة، لمست بنفسي ما تؤول إليه الأمور عندما لا تحظى السلامة من الحرائق بالاهتمام الكافي منذ المراحل الأولى. فالأمر لا يقتصر على زيادة المخاطر، بل يؤدي أيضًا إلى هدر كبير – كان من الممكن تجنّبه – في مواد البناء، وهو ما يتعارض بصورة واضحة مع أي ادعاء بأنّ المبنى يتبنّى نهجًا مستدامًا.
كلفة الخطأ
فحين لا يكون نظام السلامة من الحرائق مطابقًا للمواصفات، سواء بسبب سوء التصميم أو أخطاء في التركيب أو الإهمال، نادرًا ما تكون الآثار المترتّبة بسيطة، ويمكن أن تؤول إلى إلغاء النظام بأكمله واستبداله. وبينما تُزال أبواب مقاومة الحريق غير الصالحة للاستخدام، تُهدم الحواجز التي تضرّرت أثناء عملية الترميم ويُعاد بناؤها.
تنطوي كل حالة من هذه الحالات على تكلفة بيئية نادرًا ما تُحتسب ضمن البصمة الكربونية للمبنى، حيث يتم تصنيع ونقل وتركيب الأجزاء الخشبية والإطارات ومواد العزل والإحكام والإكسسوارات المعدنية، لينتهي بها المطاف جميعها في مكبات النفايات قبل انقضاء عمرها التشغيلي. والباب المقاوم للحريق، الذي صُمّم ليخدم عقودًا، ثم يُستبدل بعد بضع سنوات فقط نتيجة غياب المواصفات الدقيقة أو عدم صيانته بالشكل الملائم، لا يقلّ فشلًا من منظور الاستدامة عن غلاية غير فعّالة.
التنسيق المبكر للحدّ من الهدر لاحقًا
يمكن تجنّب الكثير من هذه المشكلات، إنّما يتطلّب ذلك اتخاذ الإجراءات في مرحلة أبكر ممّا تتيحه معظم المشاريع. فعندما توضع استراتيجية السلامة من الحرائق بمعزل عن التصميم المعماري، ولا يتم إدماجها إلا بعد اعتماد المخططات والمواد بشكل شبه نهائي، تُعالج متطلبات السلامة كإضافة لاحقة إلى التصميم بدلًا من أن تكون جزءًا متكاملًا منه. وبالتالي، قد يؤدي ذلك إلى تركيب أبواب في فتحات لم تُصمّم أساسًا لاستيعابها، أو إلى تحديد متطلبات الحماية بصورة عامة وغير دقيقة، بدلًا من الاستناد إلى نتائج اختبارات معتمدة وأدلّة أداء موثوقة.
أمّا التنسيق بين خبراء السلامة من الحرائق وفرق التصميم المعماري والاستدامة منذ المراحل الأولى للمشروع، فيتيح مراعاة متطلبات الأداء في مواجهة الحريق عند اختيار المواد وقبل اعتمادها نهائيًا. وبذلك، يمكن تفادي الحاجة إلى تعديلات لاحقة بعد اكتشاف عدم استيفاء المتطلبات. وعليه، لا يُعدّ التنسيق المبكر مجرد إجراء لتعزيز السلامة، بل أيضًا استراتيجية فعّالة للحد من الهدر.
الصيانة ركيزة أساسية في استراتيجية إطالة العمر التشغيلي
تتكوّن أبواب مقاومة الحريق وأنظمة الحماية السلبية من عناصر ميكانيكية وأجزاء متحرّكة تتعرّض، بطبيعة الحال، للاهتراء والتلف مع مرور الوقت. ولذلك، لا تقتصر الفحص الروتيني والصيانة الدورية على ضمان السلامة وحسب، بل تمتد أيضًا إلى تعزيز الاستدامة البيئية لهذه الأنظمة. فعندما تتم صيانة الباب بصورة صحيحة، من خلال ضبط المفصلات، واستبدال الحشوات عند الحاجة، وإصلاح الأضرار فور حدوثها، يمكن أن يصل إلى عمره التشغيلي الأساسي أو يتجاوزه حتّى. أمّا الباب الذي يُهمل في صيانته، فقد يفقد كفاءته ويصبح غير صالح للاستخدام قبل بلوغ ذلك العمر بفترة طويلة. ومن خلال إطالة العمر التشغيلي لأنظمة الحماية من الحرائق القائمة، يمكن للصيانة الفعّالة أن تقلّل الحاجة إلى استبدالها، وما يرتبط بذلك من انبعاثات كربونية وأثر بيئي.
توثيق السجلات يقلّل من تكرار العمل
قد تواجه المباني التي تعتمد على الملفات الورقية وجداول البيانات المتفرّقة صعوبةً في تتبّع أنظمة الحماية من الحرائق المركّبة فيها، وتحديد مواقعها والمعايير التي نُفذت الأعمال وفقًا لها. ونتيجةً لذلك، قد تخضع هذه الأنظمة للفحص وإعادة الفحص كلما تغيّرت ملكية المبنى. وكل عملية فحص متكرّرة تستنزف الوقت، وقد تتطلّب أيضًا التعامل مع المكونات التي يجري تقييمها، بما قد يعرّضها للاضطراب أو التلف.
وهنا، تُحدث السجلات الرقمية فرقًا واضحًا. فمن خلال سجل أصول محدث وقابل للبحث، يمكن لمالك المبنى إثبات الالتزام بالمتطلبات بدون الحاجة إلى تكليف جهة خارجية بإجراء فحص جديد كلما طُرح استفسار بشأنها. ويعني هذا زيارات ميدانية أقل، وتدخلات أقل في مكونات أنظمة الحماية، وضغوط أقل لإجراء أعمال غير ضرورية. وفي هذا السياق، تُعدّ رقمنة السجلات إجراءً بالغ الأهمية عند تبنّي مفهوم الاستدامة.
جهود خفض الانبعاثات الكربونية لا تأتي على حساب الحماية من الحرائق
مع تسارع برامج إعادة تأهيل المباني وخفض الانبعاثات الكربونية، لا بدّ من التنبيه إلى بعض الجوانب الأساسية. فهذه الأعمال تنطوي غالبًا على تعديل عناصر تشكّل جزءًا أساسيًا من استراتيجية السلامة من الحرائق في المبنى، مثل الجدران الفاصلة بين قطاعات الحريق، وأنظمة إيقاف انتشار الحريق، ومجموعات الأبواب، والحواجز داخل التجاويف. وعند تنفيذ أي عمل بدون العناية اللازمة، قد يؤدي مشروع يهدف في الأساس إلى خفض الانبعاثات الكربونية إلى الإخلال بمستوى الحماية من الحريق الذي كان المبنى مستوفيًا لمتطلباته سابقًا. فقد تكفي فتحة لتمرير الخدمات تُنفّذ من دون نظام مناسب لإيقاف انتشار الحريق، أو إعادة تركيب باب من دون إعادة تحقيق مستوى الأداء المعتمد، لتقويض سنوات من إجراءات الحماية في غضون ساعات. وهكذا قد يصبح المبنى أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، إنّما أقل أمانًا أيضًا، وهي مفاضلة لا ينبغي لأي استراتيجية استدامة أن تقبل بها. لذلك، يجب أن تكون متطلبات السلامة من الحرائق بندًا صريحًا في نطاق كل مشروع لإعادة التأهيل،
بدون أن يُفترض أنها مشمولة ضمنيًا.
المواد المستدامة يجب أن تفي بمتطلبات الأداء أيضًا
مع توجّه قطاع البناء نحو استخدام مواد منخفضة الانبعاثات الكربونية، ينبغي التعامل مع الجانبين بالقدر نفسه من الدقة والصرامة. فالأثر البيئي للمادة ليس سوى جانب واحد من التقييم؛ أما الجانب الآخر، فيتعلّق بمدى اختبارها وإثبات قدرتها على تحقيق مستوى الأداء المطلوب في مواجهة الحريق، بما يتناسب مع الاستخدام المقصود منها. فالمادة التي تبدو مناسبة من الناحية البيئية، إنّما لا تثبت أي أدلّة خضوعها لاختبارات الحريق وفعالية أدائها، لا يمكن اعتبارها خيارًا مستدامًا، بل قد تضيف خطرًا جديدًا على مستوى السلامة. ولذلك، يجب اختيار المواصفات بشكل دقيق وسليم لتقييم المعيارين معًا، بدلًا من إعطاء الأولوية لأحدهما على حساب الآخر.
وضع السلامة من الحرائق ضمن الاعتبارات المطروحة منذ البداية
لا تتعارض أيٌّ من هذه الطروحات مع جهود خفض الانبعاثات الكربونية، بل تدعو إلى توسيع مفهوم “الاستدامة” ليشمل المرونة، وقابلية الصيانة، والسلامة كونها اعتبارات أساسية منذ بداية أي مشروع، وليس أمورًا ثانوية يُنظر فيها لاحقًا. فالمبنى الذي يستلزم تجريده من بعض مكوناته وإعادة تأهيله نتيجة فشل أنظمة الحماية من الحرائق لا يمكن اعتباره مستدامًا، مهما بلغ مستوى كفاءته في استهلاك الطاقة. في المقابل، المبنى الذي تحافظ أبواب مقاومة الحريق فيه على كامل عمرها التصميمي، بفضل حسن اختيارها وفق المواصفات المناسبة، وتركيبها وصيانتها بالشكل الصحيح، يساهم بشكل مباشر في تحقيق الاستدامة. وإذا كان قطاع البناء جادًا بشأن الحد من أثره البيئي، فلا
.بد ان تكون السلامة من الحرائق جزءًا أصيلًا ومتكاملًا من هذا النقاش
إليوت براون، المؤسس والمدير الإداري لمجموعة إف دي آي